الغزالي

12

إحياء علوم الدين

وسئل بعضهم عن قوله تعالى * ( رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْه ُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ُ ) * « 1 » فقال : معناه ذلك لمن راغب ربه عز وجل ، وحاسب نفسه ، وتزود لمعاده . وسئل ذو النون : بم ينال العبد الجنة ؟ فقال : بخمس . استقامة ليس فيها روغان ، واجتهاد ليس معه سهو ، ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية ، وانتظار الموت بالتأهب له ، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب وقد قيل : إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غدا للناظرين قريب وقال حميد الطويل لسليمان بن علي عظني فقال : لئن كنت إذا عصيت الله خاليا ظنت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم . ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت وقال سفيان الثوري : عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية ، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء . وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة . وقال فرقد السنحى : إن المنافق ينظر ، فإذا لم ير أحدا دخل مدخل السوء ، وإنما يراقب الناس ولا يراقب الله تعالى . وقال عبد الله بن دينار : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة ، فعرّسنا في بعض الطريق ، فانحدر عليه راع من الجبل فقال له : يا راعى ، بعني شاة من هذه الغنم . فقال إني مملوك : فقال قل لسيدك أكلها الذئب : قال فأين الله ؟ قال فبكى عمر رضي الله عنه ، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه ، وقال أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة ، وأرجو أن تعتقك في الآخرة . بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها اعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب ، وانصراف الهم إليه . فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال إنه يراقب فلانا ويراعى جانبه . ويعنى بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة ، وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب .

--> « 1 » البينة : 8